بواسطة: علي دهيني بتاريخ : الخميس 27-03-2008 04:05 مساء
شؤون سياسية
لبنان يعيش ثلاثة أشهر رمادية: حرباً أم سلماً..؟
لا رئيس للبنان في المنظور القريب..
وبري من التفاؤل إلى التشاؤم
يبدو أن رئيس المجلس النيابي اللبناني السيد نبيه بري، بات اليوم أكثر إصراراً من ذي قبل على تحميل "الأخوة العرب" مسؤولية التوافق بين الفرقاء اللبنانيين من خلال التوافق فيما بينهم أولاً، وبين سوريا والسعودية بخاصة، وحينذاك يسهل التوافق في لبنان. هذا الموقف يعني من الوجهة السياسية ان اللبنانيين ليسوا قاصرين عن وضع حلول لأزمات لبنان، شرط ان لا تستثمر التباينات في مواقفهم في ملفات الخلافات العربية من جهة وعبر محاور الاشتباك في المنطقة من جهة ثانية. وهذا الموقف يأتي بعدما تكشفت حقائق كثيرة في الفترة الأخيرة حول المبادرة العربية والتي اظهر الفرقاء الداخليين أنهم مقيدون بمواقف المحاور التي يستندون إليها في مواقفهم السياسية.
[color=FA0309]تحركات غربية
وليس ببعيد عن استقراء هذا الموقف ما يجري من تحركات تعكسها بعض التصريحات العلنية لمسؤولين أوروبيين ومنها ما قاله المنسق الأوروبي خفييرسولانا وفاجأ المراقبين بارتفاع النبرة في توجيه الاتهام لسوريا، وما يقوم به تيري رود لارسن من التحضير لمؤتمر دولي على غرار مؤتمر باريس ولكن سياسي هذه المرة وليس اقتصادياً، والتي ظهر ان هذه التصريحات والتحركات جاءت بالتزامن مع جولة تشيني في المنطقة وهي لصرف الآنظار عن المحادثات السياسية التي يجريها هذا الأخير في منطقة الشرق الوسط وفي بعض الدول الآسيوية.
وبهذا الصدد تعيد مصادر ديبلوماسية عربية في العاصمة اللبنانية، لم تشأ ذكر اسمها، التذكير بأن أصل الأزمة اللبنانية التي بدأت إثر صدور القرار 1559 وما تبعه من اغتيال الشهيد رفيق الحريري وكل ما جرى بعد ذلك من تداعيات التصعيد السياسي نتيجة اغتيالات لشخصيات لبنانية (لم يتأكد الى الآن من يقف وراءها برغم توجيه الاتهام السياسي لسوريا) وسع الانقسام بين اللبنانيين ليستثمر هذا الانقسام وتخلط كل الأوراق في المنطقة وتنشأ المحاور، فيذهب قسم من اللبنانيين في هذا المحور وقسم في المحور الآخر ونقطة الانطلاق في المحورين المملكة العربية السعودية والجهورية العربية السورية. لتأتي بعد ذلك حرب تموز لتزيد من تفاقم الأزمة وتضاف تعقيدات جديدة على الملف وتذهب آخر "نقطة ثقة" بين الفريقين، وقبل هذا وذاك تبقى القضية الفلسطينية بين الطرفين هي الأساس.
محوران
وجاءت تداعيات الحرب على العراق لتفرز المنطقة والعرب الى محورين بارزين يرى الأول أن التصعيد العسكري في المنطقة يذهب بكل الجهود الديبلوماسية الساعية لإقامة سلام عادل ودائم في المنطقة بعيداً عن أجواء الحرب، والنقطة المركزية فيه المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. ومحور الممانعة للمخططات الأميركية الساعية لإقامة شرق أوسط جديد تستولي من خلاله على مصادر الطاقة ونزع إمكانية عناصر الاستفادة منها لتحصين القدرات العربية واستقلالية قرارها كما وإعادة الأراضي العربية المحتلة بفعل الحروب الاسرائيلية في المنطقة، ونقطة الانطلاق فيه الجمهورية العربية السورية تدعمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تداخل السياسي بالقضائي
من هنا ، يضيف المصدر الديبلوماسي العربي، طرحت في التداول السياسي ودائما عبر الملف اللبناني مسألة المحكمة الدولية التي انشئت لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي من المفترض انها موضوع قضائي بحت، في التداول السياسي ليتداخل فيها السياسي والأمني. فتزداد الأمور تعقيدا خاصة وأن للمحورين العربيين محورين ممثالين في الداخل اللبناني يجد كل منهما في محور من المحاور العربية سنداً له، وليعلق اللبنانيين في شباك الملفات المعقدة أو التي أريد لها أن تتعقد. وانضوت كل هذه الملفات في الملف اللبناني الذي ما كان ليكون موجوداً بعدما استجابت سوريا لمطلب الانسحاب من لبنان وفقاً للقرار 1559، ولولا التصعيد الأميركي ودائما عبر القرار 1559 والعمل على نسف كل المبادرات الساعية لحل الأزمة، لأمكن في صيغة من الصيغ وضع الحلول الممكنة والانتهاء من الأزمة في أكثر من فرصة أتيحت. وبهذا التعقيد، لا يبدو ان الأزمة في لبنان سوف تحل قبل ان تحل الأزمة السورية السعودية لما لهاتين الدولتين من تأثير على الفرقاء اللبنانيين، خاصة وان تعقيدات كثيرة لحقت بعناصر الخلاف السعودي ـ السوري بحيث لم يعد بالإمكان السيطرة عليها بكلمات "إنشائية" لطي صفحات الماضي، وهذا ما تكشفت عنه مداولات كل اللقاءات التي تمت حتى الآن بين وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووليد المعلم وزير الخارجية السوري، ولم يرشح أنها توصلت لوضع حلول للخلافات بينهما، خاصة بعد الذي حصل في غزة مؤخراً والتهديدات المستمرة من قبل اسرئيل حيناً وأميركا حيناً آخر، بإشعال حرب جديدة في المنطقة يظهر انها الى الآن ليست سوى عملية ابتزاز للموقف العربي. ويختم المصدر بالقول ، ان هذا من أصعب الأمور في ظل التدخل الأميركي المباشر في الملفات المفتوحة في المنطقة، خاصة وأن المصالح الأميركية باتت مهددة بالفشل الكامل من خلال التشعبات التي امتدت فيها الأصابع الأميركية وربطتها بأكثر من قضية عالقة تتعلق بمصالهحا بالشرقين الأدنى والأوسط.
تشاؤم
إذن وعلى هذا الإيقاع من الانقسام العربي، تحول التفاؤل الدائم الذي كان يبديه الرئيس بري طوال الفترة الماضية الى تشاؤم قوي بالتوصل في المنظور القريب الى حلول عملية.
وما المداولات التي كانت تدور حول هل يدعى لبنان أو هل سيذهب للقمة انتقلت الى البحث عن الفائدة التي سيجنيها لبنان من حضوره، إلى أن جاءت الدعوة للبنان للقمة العربية وكانت ردود الفعل الداخلية قوية بين مؤيد للحضور مهما كلف الأمر، وهو فريق المعارضة وبعض الموالات. وبين رافض لحضور قمة تعقد في دمشق وهم من صقور الرابع عشر من اذار، وبقي على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة أن يجد مخرجاً لأي من الموقفين حين اتخاذ القرار. لأنه ضمناً، لكلا الطرفين وللرئيس السنيورة أيضاً، من يؤيده ويساند موقفه من المحورين العربيين، ليستفيد فيما بعد كل محور من الورقة اللبنانية في المؤتمر.
هذا الإرباك وغيره وما سبقه وما قد يلحقه لا يبدو غريباً أو غير مشروع إذا ما قرأنا خلاصة المواقف الداخلية. أضف إليها الأحاديث الجانبية في الأوساط الديبلوماسية العربية والأجنبية وبعض التلميحات الأوروبية بخاصة مثل دردشات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي يؤكد مراراً أن المبادرة العربية يجب ان تأخذ مداها لأنها قامت على العناصر الثلاث الأساسية التي تقدمت بها المبادرة الفرنسية والتي "توصلت الى اتفاق عليها بين المعارضة والأكثرية"، ولم يخف تساؤله الإيجابي من القيام بعمل مّا وأنهم مستعدون لذلك.؟ وهذا الكلام يعني ضمنياً أن إمكانية الاتفاق بين اللبنانيين ليست صعبة اذا ما رفع الضغط الخارجي عن الأطراف كافة.
ويتماهى مع الموقف الفرنسي الموقف الروسي ولكن بوضوح أكثر على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف في إشارة الى أوراق الضغوط الخارجية مثل المحكمة الدولية التي اعلن مشاركة بلاده في تمويلها، ويعلن ان لا ربط حقيقياً بين انتخاب رئيس للبنان وبين المحكمة الدولية ويطالب "أولئك الذين لديهم علاقات وثيقة مع هذه القوى أو تلك داخل لبنان على تقارب الأطراف بدلا من أن يحاولوا التأثير على كل من هذه القوى والأحزاب اللبنانية من الاتجاهات المختلفة.. نحن نصر على التاثير الإيجابي على الأطراف ذات الصلة".
وبهذا السياق وعلى قاعدة أنه لو ترك الخيار للبنانيين لتمكنوا من الوصول الى حلول ناجعة لكل خلافاتهم، كانت نقاشات رئيس البرلمان العربي محمد جاسم الصقر تدور حول إمكانية إعادة جمع طاولة الحوار وترك المبادرة العربية تتولى حل التدخلات السياسية الخارجية ولو كانت عناوينها محلية لبنانية، على خلفية الخشية من تفجر أوضاع أمنية تعقب نتائج القمة العربية التي لم يخف العديد من الشخصيات السياسية المحلية والدولية خوفه من الإنعكاسات السلبية على الوضع في لبنان، وكأنها إشارة مسبقة إلى فشل القمة العربية في إيجاد حل عملي ينهي الأزمة.
وعليه.. يبدو ان لبنان سيبقى بلا رئيس على الأقل إلى الأول من حزيران، كانت اللواء ألمحت إلى ذلك قبل أسبوعين وخلال هذه الأشهر الثلاث ستكون كل الاحتمالات واردة سلماً أم حرباً في المنطقة وفقا للخطوات التي جاء ديك تشيني ليضع خطوطها العريضة وما رافقها من تصعيد إعلامي تولاه المبعوث الأوروبي خفيير سولانا تصعيداً ضد سوريا وتحميلها مسؤولية عدم انتخاب رئيس للبنان دون ذكر الضغوط الأميركية التي تمارس بقوة لإفشال المبادرة العربية التي يصر كثير من الأفرقاء اللبنانيين على التجاوب معها وفي طليعتهم رئيس المجلس نبيه بري.
فهل يمكن للعرب أن يتوصلوا إلى حل خلافاتهم.. لتحل الأزمة في لبنان.. الجواب يبقى في أمنيات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أثناء استقباله مفتي الجمهورية اللبنانية الذي زار القاهرة الاسبوع الماضي حين أمل أن بكون هناك حل في القمة العربية.. وكذلك يمكن أن يكون الجواب في الرسالة التي سيحملها الوفد العُماني للقمة بعد الزيارة التي قام بها ديك تشيني لمسقط.. ويمكن أن يكون الجواب كذلك، فيما سيحمله الوفد الجزائري بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل للجزائر.. والجواب الشافي هو فيما إذا أقتنع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لطلبات العاهل السعودي وهو يقلده وسام الملك عبد العزيز بالضغط على اسرائيل "من أجل إبرام اتفاق سلام مع الفلسطينيين" قبل انتهاء ولاية بوش في البيت الأبيض مطلع العام المقبل.؟
وأخيرا يمكن أن يكون الجواب في المبادرة القطرية المنتظرة بعد القمة العربية في دمشق، والتي يمهد لها في أكثر من عاصمة دولية وإقليمية ضماناً لنجاحها على قاعدة الفرصة الأخيرة..؟ وعليه.. الحل لأزمة لبنان هو خارج لبنان..![/color]